الشيخ محمد آصف المحسني

300

بحوث في علم الرجال

خاتمة الكلام قد ثبت لحد الآن عدم قطعية الرّوايات الموجودة في الكتب المتداولة ، وأنّ الأدلّة الّتي ذكروها غير لائقة لإفادة اليقين ، وإن كان القاطعون منها في عذر ؛ لأنّ طريقية القطع ذاتيّة ووجوده وجداني وحجيّته لا تقبل الإنكار ، وعلى كلّ حال لم يثبت دليل على حجيّة جميع تلك الإخبار . بل هناك شواهد يمكن أن يستدلّ بها الاصوليّون على عدم كونها مقطوعة ، أو موثوقا بها ، وبالتالي لا يكون جميعها حجّة ، وأنّه لا بدّ لبيان حجيّة بعض أقسامها من تحقيق وتفصيل وتقسيم . فمنها قول الشّيخ الطّوسي في العدّة : . . . إجماع الفرقة المحقّة على العمل بهذه الإخبار بالتي رووها في تصانيفهم ، ودوّنوها في أصولهم ، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه ، حتّى إنّ واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه ، سألوا من أين قلت هذا ؟ فإذا أحالهم إلى كتاب معروف أو أصل مشهور ، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه سكتوا . . . . « 1 » يدلّ هذا الكلام على عدم قطعيّة الأصول والتصانيف ، وأنّ شرط قبول الرّوايات الموجودة فيها وثاقة راويها لا غير ، وهذا يهدم أكثر ما بناه المحدّثون . ومنها : إنّه لو كان روايات الكافي كلّها معتبرة ؛ لما احتاج الشّيخ الصدوق إلى تأليف كتاب يرجع إليه ويعتمد عليه ، إجابة لطلب السيّد نعمة اللّه ، فإنّ له أن يحيله على كتاب الكافي الّذي هو أوسع من كتابه من لا يحضره الفقيه ، لكنّه رأى نفسه محتاجة إلى تأليفه ، بل احتاج إلى تعريض به ، كما قال : ولم أقصد فيه قصد المصنّفين من إيراد جميع ما رووه ، بل قصدت إلى إيراد ما أفتى به ، وأحكم بصحته ، وأعتقد أنّه حجّة فيما بيني وبين ربّي . من هؤلاء المصنّفون يا ترى ؟ أليس هذا الكلام صريحا ، أو ظاهرا في أن مطالب المصنّفات - أي : مصنّف كان - ليست بأجمعها معتبرة ، حتّى عند مصنّفيها ، أفتونا يا أيّها المحدّثون ؟

--> لقياسها على ألفاظ القرآن ؛ إذ أين التراب من ربّ الأرباب ، وأين الشّمع من الشّمس ؟ يقول صاحب الحدائق رحمه اللّه وهو من المحدّثين في حقّ كتاب التهذيب : قلّما يخلو حديث فيه من التحريف والتصحيف والزيادة والنقصان . انظر : الحدائق : 4 / 209 . وهذا الكلام وإن كان فيه مبالغة لا نقبلها ، لكنّه نعم ، الجواب لهذا القائل وأمثاله رحمة اللّه عليهم وعلينا وعلى جميع المؤمنين ، ولا سيّما علمائنا المجاهدون بالسّيف والقلم . ( 1 ) . العدّة : 1 / 338 ، المطبوعة بقمّ حديثا .